4 يوليو 2008 · مصنف تحت مقالات ادبيه, غير مصنف · Tagged مقالات ادبية
ليس خافي اعجابي بباولو كويلو
ليس فقط لختلافه وتفرده في عالم الكتابة باسلوب ميزة واضاف عليه طابع خاص يعرف به
ولكن لكون تجربته في الكتابة نابع من حياة غنية وايمان مطلق بالحرية
هذا المقال الذي ستقرأونه ليس لي بل للاستاذ عدنان زاهر ولكنه وصف ما لم اقله عن باولو استمتعوا واخبروني عن ارائكم
أعجب كثيرا بكتاب أمريكا اللاتينية واٍسهاماتهم الثقافية المتعددة والمتنوعة، وأداوم على متابعة أخبار اٍبداعاتهم. قبل فترة من الوقت كنت أعتقد أن التاريخ سوف يبطئ ويتمهل كثيرا حتى يجود بكاتب آخر في قامة غارسيا ماركيز الكلومبي، حتى قرأت لباولو كويهلو البرازيلي فتناثرت كل قناعاتي السابقة في الهواء. وأنا أقرأ لباولو كويهلو قفز اٍلى ذهني المثل السوداني البسيط الذي يقول في عفوية (حواء والدة)، ذلك المثل الذي تجسدت فيه خلاصة حكم وتجارب اٍنسانية متعددة والذي يعني اٍن الحياة لا تتوقف وهي في مسيرتها المندفعة والفوارة قادرة على التجديد والتطور كما هي أيضا قادرة على الاٍبداع والخلق.
قرأت لباولو كويهلو رائعته “الخيمائي” – The Alchemist التي كتبها عام 1988 أكثر من مرة وكان كل ما اعدت قراءتها تزداد دهشتي واٍفتتاني بها وتوالت قراءتي له “حينما قررت فروينكا الموت” Veronica Decides to Die On. لكنني حينما قرأت the River Piedra I sat Down and Weptثم “على نهر بدرا جلست وبكيت”
“محارب النور” قررت أن أشرك الآخرين معي في متعة القراءة لذلك الكاتب. يميز كتابات كويهلو أسلوبه الشعري الرقيق، عمق مضامينه الفلسفية، نظرته الثاقبة المتأنية للحياة والبعد الروحي لتجاربه. أحيانا ينتابك ذهول وأنت تقرأ له، ويتبادر اٍلى ذهنك سؤال ملحاح هل أنت تقرأ لحكيم عجوز عركته تجارب الحياة أم لشاعر نزق يعيش الحياة كما يريد بلا حدود؟! ذلك التناقض المحير ما يميز باولو كويهلو ويعطيه طمعه الخاص نادر التذوق.
أحاول أن أقوم بتقديم نبذة مختصرة عن الكاتب و من ثم أستعرض في خطوط عريضة كتابه محارب النور.
باولو كويهلو برازيلي الجنسية وهو من مواليد ريدو دي جانيرو عام 1947، أي أنه ينتمي اٍلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية ويحمل في جيناته كل تمرد ذلك الجيل وجموحه. من أسرة تنتمي اٍلى الطبقة المتوسطة، والده يعمل مهندسا ووالدته تدير أعمال المنزل. وكما هم معظم الآباء كان والداه يريدانه أن يكون مهندسا وكان هو يرفض ذلك التوجه والتسلط الأبوي. يتحدث باولو عن نفسه ويقول أنه حينما قرأ لهنري ميلر كتابه “مدار السرطان” Tropic of Cancer في ذلك العمر المبكر – الذي أثر كثيرا في أجيال ذلك الزمن – زاد تمرده واستقلال شخصيته، ذلك التمرد لم يكن مقبولا أو مفهوما لأسرة محافظة كأسرته مما جعلهم يعتقدون بأن به مس من الجنون (تجربة متكررة في التاريخ الاٍنساني). ولذلك السبب تم أيداعه المستشفى ثلاث مرات وعولج بالصقعات الكهربائية. أفلت من ذلك المصير المجهول عندما شخص دكتور آخر بأن مرضه ليس جنونا بل مسألة تتعلق بثقته في الحياة والتعامل معها.
عاد باولو اٍلى دراسته وبدأ مسيرة حياة عامرة بالحركة، التمرد، الاٍبداع والمتناقضات. اٍنتمى اٍلى حركة “الهيبيين” وهي تلك الحركة الرافضة للمجتمع والتي أخذت سلوك غير المألوف والغريب على المجتمع وسادت تلك الحركة بين
الشباب في ستينات القرن الماضي. كتب الأغاني الشعبية لكبار المغنيين البرازيليين، عمل صحفيا، عمل في المسرح و مارس السحر الأسود. اٍشترك في منظمة مناهضة للرأسمالية رافعا شعارات الحرية للجميع. اعتقل لذلك النشاط وتم تعذيبه في معتقله، أفلت من الموت فقط باٍدعاءه الجنون، ساعده في ذلك تقاريره الطبية القديمة.
ترك البرازيل وسافر اٍلى أوربا ثم ذهب اٍلى الحج وهو مكان يقصده المسيحيون يقع بين اٍسبانيا وفرنسا. عندما عاد اٍلى البرازيل كتب روايته الأولى بعنوان “الحج” The Pilgrimage عاكسا تجربته في تلك المرحلة وقد لقي الكتاب قبولا واسعا. في العام 1988كتب روايته الفذة “الخيمائي” التي لاقت نجاحا منقطعا النظير ولا تزال، وترجمت اٍلى معظم اللغات. يقول النقاد أنه لم يطبع كتاب بذلك العدد الهائل من النسخ في اللغة البرتغالية غير “الخيمائي”.
أذكر أسماء بعض أهم رواياته التي تم ترجمتها اٍلى اللغة الاٍنجليزية وبعض منها اٍلى العربية مستثنيا من ذلك أسماء بعض الكتب التي كتبتها في بداية المقال منعا للتكرار.
1) الهدية – The Gift
2) الجبل الخامس – The Fifth Mountain
3) أحدى عشر دقيقة – Eleven Mintues
4) خطابات حب من نبي – Love Letters from a Prohpet
5) ظِل كالنهر الجاري – Be Like a Flowing River
كتاب محارب النور صدر في البرازيل باللغة البرتغالية عام 1997، ترجم اٍلى الاٍنجليزية في بريطانيا عام 2002 كما تمت ترجمته للعربية عام 2004 والطبعة صادرة عن دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة – سوريا – دمشق – ترجمة نجاح سفر ولا أجزم بأنها الترجمة الوحيدة للكتاب.
في اٍعتقادي أن الترجمة العربية للكتاب لا بأس بها، بالرغم من أن الترجمة من أي لغة اٍلى أخرى تنتقص كثيرا من رصيد الكتاب اللغوي، خاصة أن لباولو كويهلو أسلوبه الشعري ولغته المتداعية الرشيقة صعبة التناول والترجمة. الكتاب يشابه أسفار فلاسفة الصين والشرق الأقصى في العصور القديمة، (لاوتسي ، كونفشيوس، زرادشت)، و يلاحظ القارئ ذلك التأثير الواضح على الكاتب والذي أتى في عكس تجربته المليئة بالحكم والمعرفة.
يبدأ الكتاب بلقاء اٍمرأة جميلة غريبة الهيئة تغطي رأسها بخمار لطفل في الطريق العام. تخبره بأن هنالك جزيرة في المحيط قبالة القرية بها معبد به أجراس كثيرة وتطلب منه أن يذهب ويرى ما بداخل ذلك المعبد. الكاتب لا يذكر الزمان أو المكان مما يعني اٍمكانية وقوع الحدث في أي موقع وزمان في الأرض. مدفوعا بحديث المرأة ظل الصبي يداوم على الذهاب اٍلى الشاطئ لرؤية الجزيرة والمعبد ولكنه لم يعثر عليهما وهو ينظر مثابرا في الأفق البعيد. أخبره الصيادون الذين يسكنون القرية، أن الجزيرة والمعبد قد اٍبتلعهما المحيط ولكنهم أحيانا يستمعون اٍلى أجراس المعبد من البعيد وهي تحركها أمواج المحيط الهادرة. في نهاية الكتاب يلتقي الصبي الذي أصبح رجلا ناضجا، وأتى زائرا اٍلى شاطئ القرية لاٍستعادة ذكريات الطفولة، بنفس المرأة التي رآها في الماضي وكانت بنفس هيئتها التي لم يغيرها الزمن. أعطته كتابا أبيض الصفحات وأمرته أن يكتب عن محارب النور. عندما سألها من هو محارب النور قالت (أنه ذلك الشخص الذي يؤمن بمعجزة الحياة يواظب ويحارب بجسارة من أجل تحقيق أحلامه وما يؤمن به وهو القادر والأكثر اٍصرارا على سماع أجراس المعبد).
الكاتب يوحي دون غلظة بأن الذين يحلمون ويثابرون على تحقيق أحلامهم وأهدافهم في الحياة هم محاربو النور. ذلك يعني أن كل شخص يمكنه أن يكون محارب نور بشكل من الأشكال أو كل منا محارب نور بطريقته الخاصة.
سأقتطف بعض ما روته المرأة عن محارب النور، قالت:
- محارب النور يقّدر عيني الطفل فهما قادرتان على النظر اٍلى العالم بدون مرارة. وحين يرغب في معرفة اٍن كان من يحالفه جدير بثقته، يحاول رؤيته بعين طفل.
- محارب النور يقاتل حتى الرمق الأخير لأجل ما يؤمن به ويسمع الأجراس التي تحركها الأمواج في قاع البحر.
- لا تخجل بانسحاب مؤقت من الساحة اٍن رأيت عدوك أقوى، المسألة ليست في كسب أو خسارة معركة بل العبرة في ناتج المعركة النهائي.
- يوقر محارب النور أساس تعاليم أي تشينغ “المواظبة أفضل”.
- محارب النور قد يرقص بالشارع وهو في طريق العمل، محدقا في عيون غريب بقوة ويتحدث عن الحب من أول نظرة، أو ينافح عن فكرة تبدو عبثية. يسمح محاربو النور لأنفسهم بأيام كهذه.
- لو اٍنتظر المحارب اللحظة المثالية فلن يبدأ رحلته، لذلك يتطلب مسحة من جنون ليتخذ الخطوة التالية.
- يستخدم المحارب مسحة جنون – لأنه في حالة الحرب والحب – يستحيل التنبأ بكل شئ.
- كل ضربة من سيف محارب النور تحمل معها قرون من الحكمة والتأمل. كل ضربة تحتاج اٍلى قوة ومهارة جميع محاربي الماضي حتى اليوم لمواصلة نعمة النضال. كل حركة خلال القتال تشرف الحركات التي حاولت الأجيال السابقة نقلها عبر التراث.
- حينما تدافع عن أفكارك علنا عليك عندئذ أن تسعى للعيش وفقها.
- محارب النور لا يعامل الهزيمة بلا مبالاة، كقوله مثلا (آه ذلك لا يهم.) أو (لنكن صريحين لم أرغب في ذلك كثيرا). محارب النور يتقبل الهزيمة كهزيمة ولا يحاول أن يصنع منها نصرا مهما كان.
- يشكل الاٍحتفال بالنصر جزء من طقس الحياة بحد ذاتها: الاٍحتفال شريعة الطريق.
- لا يحكم على العالم بأساس الصواب أو الخطأ بل بأساس (الموقف الأكثر ملاءمة في اللحظة الملائمة).
تقول المرأة في نهاية خطابها لذلك الصبي الذي أصبح رجلا (كنت تعلم أن الأجراس بقاع البحر ليست خرافة، بل نستطيع سماعها فحسب حين تدرك أن الريح، نوارس البحر وحفيف أوراق النخل كلها جزء من جلجلة الأجراس.
(بالطريقة نفسها يعلم محارب النور أن كل شئ حوله، اٍنتصاراته، هزائمه، حماسته ويأسه جزء من قتاله الطيب. سيعرف أي خطة عليه اٍتباعها وقت الحاجة. لا يسعى المحارب ليكون منطقيا فقد تعلم كيف يتعايش مع المنتناقضات.)
أخيرا نقول أن باولو كويهلو يلفت نظرنا لأشياء نمر بها عابرين ولا نعيرها اٍنتباهنا، يعلمنا دون عسف أن نندهش لما نظن أنه عادي. تلك هي رؤية باولو كويهلو لمحارب النور، قد نتفق معه وقد نختلف في بعض الأشياء ولكنه يظل كاتبا فذا جديرا بالاٍحترام والقراءة.
12 يوليو 2006